فخر الدين الرازي

154

شرح عيون الحكمة

--> ونحن نرى أن الميت لا ينتفع بشيء بعد موته من سعى الأحياء . فان المشهور من مذهب الشافعي ومالك وبعض الأحفاف - كما قال ابن القيم - أن الصوم والصلاة وقراءة للقرآن والذكر ، لا يصل من ثوابهم شئ إلى الميت . والمشهور صحيح لقوله تعالى : « وأن ليس للانسان الا ما سعى » وقد ذكر ابن القيم دليلا واحدا من القرآن على انتفاع الميت بغير ما تسبب فيه من القرآن . وهو قوله تعالى : « والذين جاءوا من بعدهم يقولون : ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان » فأثنى اللّه سبحانه عليهم باستغفارهم للمؤمنين قبلهم ، فدل على انتفاعهم باستغفار الأحياء . هذه حجته . وهو نفسه قد نقضها بقوله : « وقد يمكن أن يقال : انما انتفعوا باستغفار هم لأنهم سنوا لهم الايمان بسبقهم اليه . فلما أتبعوهم فيه ، كانوا كالمستنين في حصوله لهم » * * * ثم ذكر أحاديث تدل على وصول الثواب . ثم ذكر أدلة المانعين من وصول الثواب إلى الميت . وهذا نص كلامه : « قال المانعون من الوصول : قال اللّه تعالى : « وأن ليس للانسان الا ما سعى » وقال : « ولا تجزون الا ما كنتم تعملون » وقال : « لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت » وقد ثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : « إذا مات العبد انقطع عمله ، الا من ثلاث : صدقة جارية أو ولد صالح يدعو له ، أو علم ينتفع به من بعد موته » فأخبر أنه انما ينتفع بما كان تسبب فيه في الحياة ، وما لم يكن قد تسبب فيه ، فهو منقطع عنه . وأيضا : فحديث أبي هريرة رضى اللّه عنه وهو قوله : « ان مما يلحق الميت من عمله وحسناته بعد موته ، علما نشره » فالحديث يدل على أنه انما ينتفع بما كان قد تسبب فيه . وكذلك حديث « أنس » يرفعه وهو « سبع يجرى على العبد أجرهن وهو في قبره بعد موته : من علم علما ، أو أجرى نهرا ، أو حفر بئرا ، أو غرس نخلا ، أو بنى مسجدا ، أو ورث مسحفا ، أو ترك ولدا صالحا ، يستغفر له بعد موته » وهذا يدل على أن ما عدا ذلك لا يحصل له منه ثواب ، والا لم يكن للحصر معنى . قالوا : الاهداء حوالة . والحوالة انما تكون بحق لازم ، والأعمال لا توجب الثواب وانما هو مجرد تفضل اللّه واحسانه ، فكيف يحيل العبد على مجرد الفضل الذي لا يجب على اللّه ، بل إن شاء آتاه وان لم يشأ لم يؤته . وهو نظير حوالة الفقير على